الخطيب الشربيني

465

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

على الحطام ، فالعزلة خير من الخلطة ، والعزبة أفضل من التأهل ، ولكن معنى الآية : وانقطع عن الأوثان والأصنام وعن عبادة غير الله تعالى . وكذلك قال مجاهد رضي الله عنه : معناه أخلص له العبادة ولم يرد التبتيل ، فصار التبتل مأمورا به في القرآن منهيا عنه في السنة ومتعلق الأمر غير متعلق النهي فلا يتناقضان ، وإنما بعث لتبيين ما أنزل إليهم ، فالتبتل المأمور به الانقطاع إلى الله تعالى بإخلاص العبادة كما قال تعالى : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ البينة : 5 ] والتبتل المنهي عنه هو سلوك مسلك النصارى في ترك النكاح والترهب في الصوامع ، لكن عند فساد الزمان يكون « خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواضع القطر يفرّ بدينه من الفتن » « 1 » . ولما كان الواجب على كل أحد شكر المنعم بين سبحانه الذي أنعم بسكن الليل الذي أمرنا بالتهجد فيه ومنتشر النهار الذي أمر بالسبح فيه ، فقال تعالى : رَبُّ الْمَشْرِقِ أي : موجد محل الأنوار التي بها ينمحي هذا الليل الذي أنت قائم فيه ، ويضيء بها الصباح ، وعند الصباح يحمد القوم السرى ، قال العلامة تقي الدين بن دقيق العيد « 2 » : كم ليلة فيك وصلنا السرى * لا نعرف الغمض ولا نستريح واختلف الأصحاب ماذا الذي * يزيل من شكواهم أو يريح فقيل تعريسهم ساعة * وقلت بل ذكراك وهو الصحيح وَالْمَغْرِبِ أي : الذي يكون عند الليل الذي هو موضع السكون ومحل الخلوات ولذيذ المناجاة ، فلا تغرب شمس ولا قمر ولا نجم إلا بتقديره لا إِلهَ أي : لا معبود بحق إِلَّا هُوَ أي : ربك الذي دلت تربيته لك على مجامع العظمة وأبهى صفات الكمال والتنزه عن كل شائبة نقص ، وقرأ رَبُّ ابن عامر وأبو عمرو وحمزة والكسائي بكسر الباء على البدل من ربك ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما على القسم بإضمار حرف القسم ، كقولك : الله لأفعلن ، وجوابه : لا إله إلا هو ، كما تقول : لا أحد في الدار إلا زيد ، والباقون برفعها على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره لا إله إلا هو فَاتَّخِذْهُ أي : خذه بجميع جهدك وذلك بإفرادك إياه بكونه وَكِيلًا أي على كل من خالفك بأن تفوض جميع أمورك إليه ، فإنه يكفيكها كلها ، فإنه المنفرد بالقدرة عليها ، ولا شيء في يد غيره فلا تهتم بشيء أصلا . قال البقاعي : وليس ذلك بأن يترك الإنسان كل عمل ، فإن ذلك طمع فارغ ، بل بالإجمال في طلب كل ما ندب الإنسان إلى طلبه ليكون متوكلا في السبب لا من دون سبب ، فإنه يكون حينئذ كمن يطلب الولد من غير زوجة وهو مخالف لحكمة هذه الدار المبنية على الأسباب ، ولو لم يكن في إفراده بالوكالة إلا أنه يفارق الوكلاء بالعظمة والشرف والرفق من جميع الوجوه ، فإن وكيلك من الناس دونك وأنت تتوقع أن يكلمك كثيرا في مصالحك وربك أعظم العظماء وهو يأمرك بأن تكلمه

--> ( 1 ) هو من حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، انظر البخاري في الإيمان باب 12 ، والفتن باب 14 ، والرقاق باب 34 ، والمناقب باب 25 ، وبدء الخلق باب 15 ، وأبا داود في الفتن باب 4 ، والنسائي في الإيمان باب 30 ، وابن ماجة في الفتن باب 13 ، ومالك في الاستئذان حديث 16 ، وأحمد في المسند 3 / 6 ، 30 ، 43 ، 57 . ( 2 ) الأبيات لم أجدها في المصادر والمراجع التي بين يدي .